ابن أبي مخرمة
84
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
وسأل الملك عنهم بعد خروجهم من مجلسه ، فقيل : إنهم سافروا ، فسره ذلك وقال : تخلصنا من الإثم بحبسهم . وتسامع أهل الجبل بوصول ابن تومرت إليهم ، وكان قد سار فيهم ذكره ، فجاءوه من كل فج عميق ، وتبركوا بزيارته ، وكل من أتاه . . استدناه ، وعرض عليه ما في نفسه من الخروج على الملك ، فإن أجابه . . أضافه إلى خواصه ، وإن خالفه . . أعرض عنه ، وكان يستميل الأحداث وذوي الغباوة ، وكان ذوو الحلم والعقل من أهاليهم ينهونهم ويحذرونهم من اتباعه ويخوفونهم من سطوة الملك ، فكان لا يتم له مع ذلك حال ، وطالت المدة ، وخاف محمد ابن تومرت من مفاجأة الأجل قبل بلوغ الأمل ، وخشي أن يطرأ على أهل الجبل من جهة الملك ما يحوجهم إلى تسليمه منه ، فشرع في إعمال الحيلة فيما يشاركونه فيه ليعصوا على الملك بسببه ، فرأى بعض أولاد القوم شقرا زرقا ، وألوان آبائهم السمرة والكحل ، فسألهم عن سبب ذلك ، فلم يجيبوه ، فألزمهم الإجابة ، فقالوا : نحن رعية هذا الملك ، وله علينا خراج ، في كل سنة يصعد مماليكه إلينا ، وينزلون في بيوتنا ، ويخرجوننا عنها ، ويستحلون من فيها من النسوان ، فتأتي الأولاد على هذه الصفة ، وما لنا قدرة على دفع ذلك عنا ، فقال ابن تومرت : واللّه إن الموت خير من هذه الحياة ، وكيف رضيتم بهذا وأنتم أضرب خلق اللّه بالسيف وأطعنهم بالحربة ؟ ! فقالوا : بالرغم لا بالرضا ، فقال : أرأيتم لو أن ناصرا نصركم على أعدائكم ، ما كنتم تصنعون ؟ فقالوا : كنا نقدم أنفسنا بين يديه للموت ، قالوا : ومن هو ؟ قال : ضيفكم ، يعني نفسه ، فقالوا : السمع والطاعة ، وكانوا يغالون في تعظيمه ، فأخذ عليهم العهود والمواثيق ، واطمأن قلبه ، ثم قال لهم : استعدوا لحضور هؤلاء بالسلاح ، فإذا جاءوكم . . فأجروهم على عوائدهم ، وخلوا بينهم وبين النساء ، وميلوا عليهم بالخمور ، فإذا سكروا . . فآذنوني بهم ، فلما حضر المماليك ، وفعل معهم أهل الجبل ما أشار به وكان ليلا . . أعلموه بذلك ، فأمر بقتلهم بأسرهم ، فلم يمض من الليل سوى ساعة حتى أتوا على آخرهم ، ولم يفلت منهم سوى مملوك واحد كان خارج المنازل لحاجة ، وسمع التكبير عليهم والوقع بهم ، فهرب من غير الطريق حتى خلص من الجبل ، ولحق بمراكش ، وأخبر الملك بما جرى ، فندم الملك على فوات ابن تومرت من يده ، وعلم أن الحزم كان فيما أشار به مالك بن وهيب ، فجهز من وقته خيلا بمقدار ما يسع ذلك الوادي ؛ فإنه ضيق المسلك ، وعلم ابن تومرت أنه لا بد من عسكر يخرج إليهم ، فأمر أهل الجبل بالقعود على أبواب الوادي وبمراصده ، واستنجد لهم بعض